06‏/08‏/2010

۞ للمعتقل فرحتان ۞






بقلم: الشيخ حجازي إبراهيم ثريا



عنوان أوحى به حديث نبوي، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ" (البخاري: 1904).



الاعتقال رزق يسوقه الله لمَن يختارهم الله من عباده، يبسطه لمن يشاء، ويقبضه عن من يشاء، والله على كل شيء قدير..



وهو كالرزق لا يقدر أحد على قبضه أو بسطه، أو منعه أو وصله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾ (فاطر).



والأجل والرزق قُدِّرَا وأنت في الرحم، ومن القدر لا ينجو الحذر.. ولا نملك إلا الدعاء لدفع القدر، عَنْ مُعَاذٍ- رضي الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَنْ يَنْفَعَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ، وَلَكِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ عِبَادَ اللَّهِ" (أخرجه أحمد 5/234).



وقد يعرض المحذور من حيث ترتجي.. ويمكنك المرجو من حيث تتقي (1)



وقد مات لذؤيب بن أبي ذؤيب الصحابي أربعة إخوة بالطاعون، في زمن عمر فرثاهم بقصيدة مطلعها:

أمن المنون وريبه تتوجع * * والدهر ليس بمعتبٍ مَن يجزع

وإذا المنية أنشبت أظفارها * * ألفيت كل تميمة لا تنفع (2)



فالقضاء غالب، وما حُم واقع، وقد سبق السيف العذل، وتقدم من فعلي ما جف به القلم..

وما ينفع المستأخرين نكوصهم ** ولا ضر أهل السابقات التقدم



وكان الإمام البنا يتمثل دائمًا بقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

أي يومي من الموت أفر *** يوم لا يُقدَّر أو يوم قُدِّر

يوم لا يُقدَّر لا أرهبه *** ومن المقدور لا ينجو الحذر



والفارق الجوهري بين الاعتقال والرزق والأجل، يتجلى في أن طول الأعمار وبسط الأرزاق ليست علامة قرب وحب من الله، كما أن التضييق في الأرزاق، وقصر الأعمار ليست دلالة بغض أو سخط أو غضب من الله.



أما الاعتقال في الله، ومن أجله، ولرفع راية الإسلام والجهاد في سبيله، فهو علامة قرب وحب واجتباء واصطفاء لمَن يرزقهم الله بمثل هذه المنح والعطايا، وكلما ازداد المسلم قربًا من الله، وزاد حب الله له، أناخت الشدائد ببابه، وتوالت عليه المحن، وأصابت السهام جسده، حتى إنك لا تجد فيها موضعًا لسهم آخر.. وهذا ما نطق به الحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن مُصْعَبُ قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاءً (3) قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل (4)؛ يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا (5) اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة (6) ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" (7).



وعن عبد الله بن مسعود قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكًا شديدًا، فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكًا شديدًا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم". فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجل". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يصيبه أذى، مرض فما سواه، إلا حط الله له سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها" (8).



فمن طال اعتقاله، أو طال سجنه وحبسه، أو قُتل في سبيل الله، أو غير ذلك، ورضي واحتسب، فهو المقرب من حبيبه ومولاه، وقد طهره وصفَّاه، ونقَّاه واجتباه.



ونحن لا نتمنى المحن والابتلاء، ونسأل الله العافية، ولكن إذا لقيتم فاثبتوا، وقد يكون ممن لم يُبتلى مَن أخلص لله نيته، وصدق مع الله في بيعته، ولو حل بهم البلاء كانوا كالجبال الرواسي، لا يهتز ولا يلين، ولا يهن ولا ينكص على عقبيه، بل كان من أصحاب المكارم الذين مدحهم الشاعر بقوله:

ليس النكوص على الأدبار مكرمة *** إن المكارم إقدام على الأسل (9)



وهؤلاء بنيتهم الصادقة في الأجر سواء، وقد يكون منهم الخفي التقي النقي الذي يسبق بعض مَن ذاع صيته والله بصير بالعباد، وبما تعملون خبير.



أيها الحبيب: ليكن فرحك كبيرًا بخلوتك مع الله الحبيب إلى قلبك، وليكن سرورك عظيمًا بأُنسك بالرحمن الرحيم.



واعلم أيها الحبيب أن الله الرءوف اللطيف أعلم بما يصلح عباده، وأعلم بما يطيقون، وحين يُنزِّل عطاءه ويمنحه لأوليائه ينزله بالقدر الذي يرفعهم ويقويهم.. أو إن شئت فقل: "يسويهم بنور عطاياه" والتي يحسبها مَن لا يعمر الإيمان قلوبهم أنها نار، وأنه يرويهم بالماء العذب الفرات السائغ شرابه من الابتلاء، والتي يحسبها الرائي عذابًا من الملح الأجاج.



ومن هنا يكون فرح المسلم الصادق الإيمان الثابت الجنان، المتعلق قلبه بالآخرة وما فيها من جنان، يكون فرح هذا المسلم بالابتلاء أشد من فرح غيرهم بالعطاء من حطام الدنيا.



وكيف لا وقد أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فعَنْ أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رضي الله عنه أنه دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مَوْعُوكٌ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَوَجَدَ حَرَارَتَهَا فَوْقَ الْقَطِيفَةِ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: مَا أَشَدُّ حَرِّ حُمَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّا كَذَلِكَ يُشَدَّدُ عَلَيْنَا الْبَلاءُ، وَيُضَاعَفُ لَنَا الأَجْرُ"، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً؟ قَالَ: "الأَنْبِيَاءُ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ الْعُلَمَاءُ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ الصَّالِحُونَ كَانَ أَحَدُهُمْ يُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ إِلاَّ الْعَبَاءَةَ يَلْبَسُهَا، وَيُبْتَلَى بِالْقُمَّلِ حَتَّى يَقْتُلَهُ، وَلأَحَدُهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِالْبَلاءِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِالْعَطَاءِ" (10).



ما أعظم منزلة العلماء، حيث جاءوا في الحديث السابق في الترتيب بعد الأنبياء!، وهذا يجعل لنا معهم وقفة؛ لأنهم أساس النهوض، ومنطلق التغيير والبناء، إن صدقوا مع ربهم، وأخلصوا دينهم لله.



أليسوا ورثة الأنبياء؟، فعن أَبي الدرداء رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "..وَإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يَوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا وَإنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ" (11).



أيها العلماء: اعرفوا قدركم، وقدروا دوركم، وأدوا الأمانة التي حمَّلكم إياها ربكم، وكلفكم بها نبيكم، فعلموا الناس الدين الحق، وقولوا كلمة الحق، ولا تخشوا في الله لومة لائم، ولا ترهبوا السجن ولا الاعتقال، ولا الفصل من العمل، فأنتم تعملون بتكليفٍ من الله، وتعيينٍ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وراتبكم من عند الله موصول، ووالله لا يقدر أحد من البشر على قطعه أو منعه.. واخشوا يومًا تُرجعون فيه إلى الله، تُوفَى كل نفس ما كسبت، وأعدوا جوابًا لسؤال في يوم العرض: ماذا عملت فيما علمت؟



أيها العلماء: لكم في رسول الله الأسوة الحسنة: وقد عذَّبه المشركون وسبوه، وألقوا بالقاذورات عليه في جوف الكعبة وهو ساجد، وحاصروه في الشعب، وقذفوه بالحجارة حتى سالت الدماء من قدميه، وحاربوه في بدر، وعادوا إليه في أُحد وشجوه، واستشهد فيها سبعون منهم عمه حمزة أسد الله، وجمعوا الأحزاب وحاصروا المدينة في غزوة الأحزاب حتى يستأصلوا شأفة المسلمين ولا يُبقوا منهم أحدًا، ولم يكن أمام هذه الجحافل إلا أن يحفروا خندقًا؛ ليوقفوا زحفهم ومن ثم سميت غزوة الخندق..، وتواصل الجهاد، حتى قبل وفاته بقليل.



ولكم في الأئمة الأعلام قدوة، فأئمة المذاهب الأربعة: الإمام أحمد والإمام أبو حنيفة، والإمام مالك والإمام الشافعي، ومن بعدهم ابن تيمية والعز بن عبد السلام.. وغيرهم كثير.. أصابتهم المحن ونزل بهم الابتلاء، لمواقفهم في الدفاع عن الدين والصدع بالحق دون خشية من أحد.



وفي عصرنا قام الإخوان المسلمون بتجديد الإسلام في النفوس، وإعادته إلى واقع الحياة، بشمولية لا تعرف التفرقة بين السياسة والدين، ولا بين المسجد والمعمل، والمدرسة وساحة القضاء.. فالكل يجب أن يكون تحت مظلة الإسلام، وفي ظل حريته وعدله، ومساواته ورحمته للعالمين؛ وبسبب ذلك قُتل منهم على أعواد المشانق الكثير، ودُفن في رمال السجن الحربي الأكثر، وعُذِّب الآلاف السنين الطوال، وصودرت أموالهم، وحرموا من وظائفهم، وعانت أسرهم الأمرين.



وأمام كل ذلك، ومع هذا كله، ثبتوا على الحق الذي معهم وعضوا عليه بالنواجذ، وقطَّعت السياط أجسادهم ودين الله في حنايا قلوبهم لم يصله سوط، ولم ينكئه سهم، وصدق فيهم قول الله عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)﴾ (الأحزاب).



ومن هؤلاء: الشهداء: حسن البنا، عبد القادر عودة، محمد فرغلي، يوسف طلعت، هنداوي دوير، إبراهيم الطيب.. سيد قطب، عبد الفتاح إسماعيل، محمد هواش.. وغيرهم كثير.. لكنهم جميعًا كانوا يتمثلون قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)﴾ (الأحزاب) أيها العلماء الأحباب: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتلي فصبر، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.. فمن ورث العلم النبوي، لا بد أن يرث تضحيات النبوة، ولا بد أن يتقدم ركب المجاهدين مهما تقدم به السن.



ومن نال العلم ليحقق به الحظوة، أو يرتفع به في الدنيا، خسر الدنيا والآخرة، ومن تحقق بالعلم والعمل، وحمل كامل الميراث "علم النبوة وجهاد النبي صلى الله عليه وسلم وتضحيته" ربح وفاز في الدنيا والآخرة..



أيها الأخ الحبيب: في الاعتقال فرحتان:

أما الفرحة الأولى فعند الاعتقال وذلك من وجوه:

الوجه الأول: يفرح لأنه يأوي إلى ركن شديد حين ينقطع رجاؤه في الخلق، ويصير كل رجائه في الله عز وجل وما يفيض به عليه من رحمته وسكينته وطمأنينته.



الوجه الثاني
: يفرح بما يجري عليه من أجر وثواب لصبره على ما أصابه، من تفزيعٍ بالليل وإرهاب الأطفال والزوج والوالدين.. وربما يلحق بهم الأذى بالسب أو الشتم، وفي بعض الأحيان اعتداء وضرب للأهل.

أضف إلى ذلك ما يلحق ببيته من سلب ونهب وعبث بالأثاث والمكتبات..



الوجه الثالث
: يفرح بما يقوم به من طاعات، لم يقدر عليها وهو طليق، كقيام لليل، وحفظ للقرآن، ومراجعة للعلم.



الوجه الرابع: يفرح حين يلقى أحبة له في الله له شوق إليهم، ولهم شوق إليه، ولم يتمكنوا أن يلتقوا إلا في متنزه الاعتقال الرحيم، على موائد الطعام وحديقة السجن الغناء، وملاعب الكرة.. وليل عامر بذكر الله.. وتلاوة القرآن.. والتسبيح والاستغفار.. والدعاء والتضرع والابتهال.



الوجه الخامس: يفرح للمودة والحب والتراحم الذي يزداد بينه وبين إخوان له لم يكن يعرفهم من قبل.



الوجه السادس: توريث الدعوة حتى تتواصل الأجيال، فيشتد عود الشباب ويقوى، وتعمق جذور الدعوة في حنايا القلوب، وتجري في شرايينهم حين ينامون ويقومون مع الصابرين الثابتين ممن سبقوهم في طريق الدعوة، حين يرون من قضى السنين في السجون، ويعود إليه المرة بعد المرة، وما لانت لهم قناة، وما ولوا الأدبار، وما قعدوا، ولا استراحوا، ولا أخلدوا إلى الأرض.. ولكنهم مع كل شدة يزدادون قوة وصلابة وترابطًا.



الوجه السابع
: يفرح حين يرى أن الشدائد لم تقض على دعوتنا، وإنما بقيت ونمت، وامتدت فروعها، وتعمقت جذورها، وعمت ثمارها، وصارت عصية على أن تقتلع.. إنها شجرة طيبة مباركة، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، إنها دعوة خالدة؛ لأنها مستمدة من الإسلام الخالد، فغايتها الله، والقرآن دستورها، والرسول قدوتها، والجهاد سبيلها، والموت في سبيل الله أسمى أمانيها.



الوجه الثامن: وسط ظلمة الشدائد والمحن، وظلمة الليل البهيم، وظلمة جدران السجن المحيطة به ينبعث له شعاع من نور الرؤية الصالحة فتبعث فيه الأمل، وتجدّد له الإيمان واليقين، وتثّبت منه الأقدام على الطريق، فالرؤيا حق وجزء من النبوة، وهي ما بقي من المبشرات: فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" (12).



وعن أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ" . قَالُوا وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ قَالَ "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ" (13).



عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (يونس من الآية94) فَقَالَ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ غَيْرَكَ إِلاَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ غَيْرَكَ مُنْذُ أُنْزِلَتْ، هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ" (14).



وكم رأى إخواننا من رؤى جاءت كفلق الصبح.. وهي أكثر من أن تحصى.



الوجه التاسع
: يفرح عند إطلاق سراحه، وكسر قيده، ولقائه للأهل والأحباب وكأنه يوم عرس وزفاف، يتوافد عليه الأحبة من كل مكان، ويتلقى التهنئة من كل صديق.. ومن حوله يجري الأبناء وترسم الفرحة معالمها واضحة جلية في وجوه الآباء والأزواج والأبناء وكل المحيطين به.

ووالله إنها لساعات جميلة، ولحظات سرور وبهجة عظيمة.



الوجه العاشر
: تملأه البهجة والسرور، حين يخلو بأبنائه وأسرته- بعد انصراف المهنئين- فيرى صلاح الأبناء وتوفيقهم أكثر مما كان بينهم؛ ولما لا وقد خلفه الله في الأهل والمال والولد؟.. والمشاهد المتواتر عن الجمع أن الفارق كبير بين أبناء من ثبت على الحق ولم يؤيد ولم يهن، وبين من خاف على أولاده الضياع، فأيد أو داهن..



ولعل السر في ذلك تحملهم للمسئولية بعد غياب العائل، فتنمو فيهم الرجولة مبكرة، ولله في خلقه شئون.



الوجه الحادي عشر: منزلة حسنة في الدنيا وثناء حسن:

وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42)﴾ (النحل).



وتأمل في دعوة الخليل إبراهيم عليه السلام: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84)﴾ (الشعراء)، أي واجعل لي ذكرًا جميلاً بعدي أُذكرَ به، ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110)﴾ (الصافات).



قال مجاهد، وقتادة: يعني: الثناء الحسن. قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: ﴿وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)﴾ (العنكبوت: من الآية 27) وكقوله: ﴿وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122)﴾ (النحل).



ولقد كان ابتلاء الخليل إبراهيم عليه السلام عظيمًا، وماذا بعد أن يلقى به في نار موقدة، ويؤمر بترك سيدنا إسماعيل رضيعًا، مع أمه في صحراء لا زرع ولا ماء؟، وماذا بعد أن يؤمر بذبح ابنه الوحيد؟.. نعم إنه كما أخبر ربنا أمة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122)﴾ (النحل).



وأما الفرحة الثانية:

فعند لقاء الله عز وجل، وذلك من وجوه:

الوجه الأول: عند معالجة سكرات الموت، فإن كُلّ مَن اتبع الرسول النبي الأمي له السعادة الأبدية، ولا خوفٌ عليهم فيما يستقبلونه، ولا هُمْ يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه، وقيل: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في ذريتهم، لأن الله يتولاهم، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على دنياهم لتعويض الله إياهم في أولاهم وأخراهم؛ لأنه وليهم ومولاهم، وهذا ما تأكَّد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾ (فصلت).



جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (يونس من الآية94) قال الزهري وعطاء وقتادة: هي البشارة التي تبشر بها الملائكة المؤمن في الدنيا عند الموت، وقال قتادة والضحاك: هي أن يعلم أين هو من قبل أن يموت.



وفي حديث البراء: "أن المؤمن إذا حضره الموت، جاءه ملائكة بيض الوجوه، بيض الثياب، فقالوا: اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان، ورب غير غضبان. فتخرج من فمه، كما تسيل القطرة من فم السقاء".



وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله عبادًا يغبطهم الأنبياء والشهداء". قيل: مَن هم يا رسول الله؟ لعلنا نحبهم. قال: "هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس". ثم قرأ: ﴿أَلاَّ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)﴾ (يونس).



الوجه الثاني
: سلام الملائكة عليه عند خروج روحه

فعن محمد بن كعب القرظي قال: إذا استنقعت (15) نفس العبد المؤمن، جاءه ملك الموت فقال: (السلام عليك ولي الله، الله يقرئك السلام). ثم نزع بهذه الآية: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ (النحل: من الآية32)



الوجه الثالث: فرحه بتبشير الله إياه بالجنة، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)﴾ (آل عمران).



قال الله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)﴾ (التوبة)



وقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)﴾ (البقرة).



الوجه الرابع
: أن له قدم صدق عند الله، قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2)﴾ (يونس)



الوجه الخامس
: ولاية الله لهم في الآخرة تؤمنهم المخاوف ﴿ِإنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)﴾ (فصلت).



الوجه السادس
: الأجر العظيم والثواب العميم

قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)﴾ (الزمر).



وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59)﴾ (الحج).



وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42)﴾ (النحل).

___________



0 التعليقات:

إرسال تعليق