21‏/11‏/2009

من دروس الحج

من دروس الحج التسامح والتراحم إن التسامح خلق اسلامي رفيع أمر الاسلام به وحث عليه وهو يدل على السهولة والتيسير ورفع الحر وكل هذا مقصد من مقاصد الاسلام في التشريع قال تعالى {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ }الحج78
وقال صلى الله عليه وسلم ( بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ)
وقال تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }البقرة185
وفي المسند ". و عن أبي قتادة عن أعرابي سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول " إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره ". و عن محجن بن الأذرع أنه كان آخذا بيد النبي صلى الله عليه و سلم في المسجد قال: ثم أتى حجرة امرأة من نسائه فنفض يده من يدي قال " إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره ) وفي البخاري ((حدثني أبو عروة قال كنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم فخرج رجلا يقطر رأسه من وضوء أو غسل فصلى فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه يا رسول الله أعلينا حرج في كذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أيها الناس إن دين الله عز وجل في يسر ثلاثا يقولها وقال يزيد مرة جعل الناس يقولون يا رسول الله ما نقول في كذا ما نقول في كذا........ )) فتح الباري شرح صحيح البخاري ومجمع الزاوئد ومنبع الفوائدو مسند الإمام أحمد
ولقد أمر الشارع بالتيسير وعدم التعسير فقال صلى الله عليه وسلم (يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا " (البخاري) وعلق عليه ابن حجر بقوله: ( المراد تأليف من قرب إسلامه، وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدرج؛ لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلاً حبب إلى من يدخل فيه، وتلقاه بانبساط ، وكانت عاقبته غالباً الازدياد ...)
بل ان المسامحة والتيسير ورفع الحرج والتساهل ارادة المشرع سبحانه من التشريع فهو مع كونه سبحانه كلف البشرية والتكليف فيه الزام ومشقة غير أن هذا الإلزام وتلك المشقة ليست عسرة التطبيق فيستطيع المكلف أن يأتي بما كلف به بدون ارهاق ولا عنت {وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }البقرة220 غير أن هذه لم يكن والذي أريد للبشرية تشريعياً يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقال تعالى مراعيا حالة الضعف البشري والتي تسيطر عليه من خلال تكوينه الجسدي وتركيبه الشهواني {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً }النساء28
فلكونه ضعيفا (( ناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته ) ابن كثير
من مظاهر التيسير في الحج وبعد أن أدركنا طبيعة هذا الدين ومقصده في هذا الجانب فإن هناك ممارسات فعلية ووقائع عملية لهذا المقصد على أرض الواقع وحتى لا يظل الدين عبارة عن نظريات مثالية لا علاقة له بالواقع كانت تلك التطبيقات العملية في فريضة الحج كواحد من النماذج الذي سار بها الاسلام في معاملة أبنائه ليفرض عليهم قضية التسامح والتيسير وتكون هذه الاخلاق مكون من مكونات الشخصية المسلمة حيث تربت عليها ونشأت فيها وتكونت وتشكلت العقلية المسلمة في رحاب هذا المقصد الاسمى من مقاصد الدين وحينئذ يستطيع العقل المسلم أن يمايز وبوضوح بين الاعتدال والتشدد فما كان من سمته الحرج والاعنات أو الضيق والتشدد فإنه ليس من دين الله ولا مقصود للشرع .
ومن نماذج الحج في ذلك
قال تعالى {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }البقرة196
إن الله سبحانه وتعالى ترك مساحة لعباده الحجيج في اختيار الهدي ونوعه من بهيمة الانعام الثمانية وذلك حسب ما هو ميسور لكل واحد منهم ، فإن إمكان التحصيل على نوع الهدي قد يختلف من زمان الى اخر وان إلزام البشرية كافة بنوع معين محدد ضرب من ضروب الاعنات والحرج قال بن عباس ( أي بقدر يسارته ))
وقال العوفي : عن بن عباس إن كان موسرا فمن الابل والا فمن البقر والا من الغنم . وهذا واضح أنه يدل على سهولة الشرع وتيسيره على الناس
قال هشام بن عروة عن أبيه : إنما هذا فيما بين الرخص والغلاء . وقال العلامة بن عاشور : استيسر بمعنى يسر أي ما أمكن من الهدي بإمكان تحصيله وإمكان توجيهه ومراده جميع وجوه التيسير تفسير بن عاشور قال تعالى {وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }البقرة203
الله تعالى يشير في هذه الاية إلى مقصد الحج وهي تقوى الله عز وجل فإذا ما تحققت هذه التقوى فإن استكمال الأيام الثلاثة ليس بمشروط توسعة على أهل الحج توسعة زمانية . وهو تخفيف من الله تعالى على عباده في اباحة كلا الأمرين ولكن أنه من المعلوم أنه اذا أبيح كلا الأمرين فالمتأخر أفضل لأنه أكثر عباده والحاصل أن الحرج منفي عن المتقدم والمتأخر ، فقط قيده بقوله ( لمن اتقى ) قال تعالى ((فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) البقرة 196
فإن تخيير الله تعالى لعباده هنا يناسب سماحة الاسلام وسهولته وتيسيره على الناس ي أداء الشعائر وهو يتوافق مع ضعفهم وعجزهم فمن الناس من يناسبهم الصيام ويشق عليه الصدقة لعدم وجودها ومنهم من يشق عليه الصيام لضعفه وتسهل عليه الصدقة لغناه ، وكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يتم النعمة على عباده بإتمام الحج . عَنْ أَبِي الزُّبَيْرَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَائِشَةَ فِي حَجَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا كَانَتْ بِسَرِفَ حَاضَتْ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا أَنْتِ مِنْ بَنِي آدَمَ يُصِيبُكِ مَا أَصَابَهُمْ فَلَمَّا قَدِمَتِ الْبَطْحَاءَ أَمَرَهَا نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَهَلَّتْ، فَلَمَّا قَضَتْ نُسُكَهَا، فَجَاءَتْ إِلَى الْحَصْبَةِ أَحَبَّتْ أَنْ تَعْتَمِرَ، فَقَالَ لَهَا نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّكِ قَدْ قَضَيْتِ حَجَّتَكِ وَعُمْرَتَكِ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلا سَهْلا، إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مِنَ التَّنْعِيمِ، قَالَ مَطَرٌ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا حَجَّتْ صَنَعَتْ كَمَا صَنَعَتْ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَرْوَزِيُّ، نَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: خَرَجْ0نَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ وَطُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال النبي عليه السلام قال حين أراد القدوم الى مكة وهو بمنى وهو الغد من يوم النحر منزلنا غدا ان شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر وفيه ........... انما نزل رسول الله بالابطح لأنه كان أسمح لخروجه )) البخاري ومسلم
وان نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالابطح (( أو المحصب أو خيف بني كنانة )) وكلها أسماء لمكان واحد وهو مكان بين منى ومكة وهو الى منى اقرب وهو مكان واسع متسع انما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس من باب الفريضة ولا السنة وانما نزله توسعة على أصحابه فكما يقول الراوي كان أسمح لخروجه وهذا مظهر من مظاهر السماحة في ا لحج وعدم التشدد وفي مناسك الحج تظهر بوضوح هذه السماحة والتيسير حينما يستفتى النبي صلى الله عليه وسلم في تقديم أمر على أمر أو تأخير أمر على أمر فيقول صاحب الرسالة ــ الرحمة المهداة ــ
افعل ولا حرج
افعلوا ولا حرج
اذبح ولا حرج
ارم ولا حرج
افعلوا ذلك ولا حرج وقال عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ــ ما رأيته سئل يومئذ عن شيء إلا قال افعل ولا حرج وقال في رواية فما سمعته سئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال رسول الله افعلوا ولا حرج . وفي ضوء قوله صلى الله عليه وسلم (( افعل ولا حرج )) يتبين سماحة الاسلام في أداء التكاليف ما دام أن مقصود الشارع لم يفرض تقديم أحد التكاليف على الأخرى تاركا مساحة واسعة لحركة الانسان وظروفه مراعيا بذلك جهله
ونسيانه .

0 التعليقات:

إرسال تعليق